يحدثُ أن يدخلَ في رأسكَ، ماشياً بتثاقلٍ وحلقاتُ الدخانِ تتموجُ من حولهِ، ومع ارتيابِكَ لكنكَ تُمهِلهُ حتى يجلسَ على كرسيِّ الشهادةِ، مُخرِجاً ورقةً مجعّدةً، ورقةً لا تُريدُ أن تعرِفَ أسماءَ من سقطوا منها، لا تُريدُ أيضاً أن تتركَهُ هارباً فذاكَ لن ينفعَكَ، قد انتظرتَهُ حتى فَرِغْتَ من الانتظارِ وكتبتَ اسمَهُ على جذوعِكَ بحبرٍ لا يُضيءُ إذْ لا تُضيءُ سوى سَبّابتِكَ.
وأنتَ تُسلِّمُ نفسكَ لصوتهِ المثلومِ، يَنهضُ مرةً ثانيةً تاركاً
كرسيَّكَ
الذي
ظَلَّ
يَهتزُّ
بثباتٍ
مُفزع.
مُتجهاً إلى كوّةٍ أقصى رأسِكَ.
يُفزِعُكَ أن تراهُ خُفّاشاً يخرجُ من أحداقِكَ.
من مشى في رأسِكَ أو طارَ من أحداقِكَ خُفّاشٌ يَملأُ أفُقكَ بسُعالٍ مشاعٍ يُرطِّبُ لعابُهُ قمصانَكَ ولا تراهُ، يَلبِطُ في جيوبِكَ ولا تُمسكُهُ، ينامُ في فراشِكِ ولا دفءَ على الأرائِكَ.
يَجلِسُ على كراسِيكَ، يَمسُّ مقابضَ الأبوابِ، الأقداحَ والسكاكين وأوعيةَ الطعام، عُلَبَ الأدويةِ والأقراصَ المدمجةَ الكئيبةَ في الأدراجِ.
من مشى في رأسِكَ مُتمهِّلاً يُؤجِّجُ حرائقِكَ ويحبِكُ الأحاجي.
من أفردَكَ مَغْلُوباً على حزنِهِ؟
من فَتَنَ الفؤوسَ بأشجارِكَ الصائمةِ؟
من خَتَمَ على شُبهاتِكَ لتصيرَ حقيقتَكَ الواحدة؟
كُلُّ ما حولَكَ
يقولُ: ما انتظرتَهُ ستلقاهُ
سَتلقاهُ واحداً
سَتلقاهُ وحيداً
منفلتاً من مَسارِبِ الحكايةِ التي أرهقتْكَ طويلاً
ستلقاهُ مريضاً بعافيةِ الشكِ والرِّيبةِ
بمداولاتِ الحقيقةِ والوهمِ
بساعاتٍ أنفقْتَها
في عدِّ ما تساقطَ على جانبي الطريق.
من مشى...
تخشاهُ
تخشى براهينَهُ،
تخشى صورتَهُ في مرآتِكَ،
تخشى ختمَ أصابعهِ على وجوهِ من تُحِبّ،
كُلُّ من تُحِبُ نهبٌ لأصابعَ لا لونَ لها،
كحوافرِ غيمةٍ مُسرعةٍ.
وإنْ قُلت لنفسِكَ أكثرَ مما تمنحُهُ الريحُ هذهِ الأيامِ تكونُ قد أرخيتَ شبابيكَكَ لعصفِ الماشينَ القدامى، الملعونين بأسرارِهم الخبيئةِ، في الصُّندوقِ المُقفلِ على رُفات قُبّرات وحمامٍ وعصافيرَ وصُقورٍ مُزِّقَ لحمُها وخُلِطَ، فاختلطَتْ بعدَها أنهارٌ وبحيراتٌ وبُحورٌ في قمصانِ الريحِ التِي تَرتدِيكَ.
لكن الريحَ
لكن الريحَ مملّةٌ بما يكفي
هذه الدوائِرُ التي لا تَكُفُّ عن الدوَرانِ حولَكَ وحولَ من تُحِبُّ
تدورُ
تدورُ تدورُ
وتدورُ.
مملّة تتفيأُ المدن
تنصبُ فخاخَها في المُنعطفاتِ
خلفَ المدى الذي لا يُنالُ، تنشرُ شباكاً لا تُرى.
مملّة تموّهُ نفسَها مرةً تلو مرة.
تؤجّلُ كما تشاءُ، وتُقدّمُ كما تشاءُ.
لها،
لأسمائِها المُلتبسةِ
لسكاكينِها التي في ظهورنِا أبداً
لغيبِها الدائمِ
كُلُّ هذه النذورِ اليائسةِ
نذورٌ تنتظرُ سكاكينَ
من مشوا في رؤوسِنا فملأوها رُعباً.