ربما ليلٌ جديدٌ
يأتي صوتُهُ
من وراءِ شارعٍ أو شارعينِ
يدخلُ عليَّ من الشباكِ
يدخلُ من الحائطِ
ربما ليلٌ جاهزُ العُدّةِ
مهيّأُ لكلِّ أسئلتي
أكادُ أسمعُ صوتَهُ
يَخرقُ الشباكَ والحائطَ السميكَ
ويجلسُ، على أريكةٍ، أمامي.
الساعةُ التي لم تملَّ السيرَ،
الساعةُ التي شاختِ البارِحَةَ
وهي تعبرُ السنةَ القديمةَ،
تدقُّ.
وأنا، في انتظارِ أنْ يَنطقَ الليلُ الجديدُ
عدّلتُ جلسَتي
وأنرتُ مصباحاً إضافياً
وأرخيْتُ الستائرَ في رأسي
فالليلُ لن يصمتَ طويلاً
والعاصفة ستبدأ.
هواءُ الغرفةِ يمتصُّ سريعَ زفراتي
والمدفأةُ تطبعُ قُبلاتٍ صُفراً على غُضُونِ وجهي
وأنا ثابتٌ على الأريكةِ
أتطلّعُ بينَ حينٍ وحينٍ لعينيّ الزائرِ الثاوي
ربما كانَ ليلاً جديداً؟
يُكررُ الليلُ نفسَهُ حتى يَحفظَهُ الناسُ، ويخزنوا تقاسيمَ وجهِهِ في الذاكرةِ، فتصيرُ صفاتُهُ مشاعاً وتألفُ الأرواحُ أنفاسَهُ، وتأمنُهُ الزوايا، هكذا يتوحدُ الليلُ وصاحبُهُ، ويتداخلان.
ليالٍ جديدةٌ كانتْ تمرُّ
حين كُنتُ طفلاً عند جدّتي وخالاتي
ليالٍ تركتْ على مسلّتي أختامَها
لا حرائقَ فيفسِدَها الوقتُ
ولا صراخَ فينهبَهُ الهَواءُ.
ليالٍ جديدةٌ حقاً!
لكن اللياليَ الجديدةَ جافتْنا
وأفلتتْ
حبل
المسّرة.
لا يكررُ الليلُ نفسَهُ حتى ينساهُ الناسُ، تنقسمُ تضاريسُ وجهِهِ فِي وديانِ الروحِ وتضيع، تصيرُ صفاتُهُ متاهةً وأنفاسُهُ أرواحَ شياطين، كُلُّ رعبِ الزوايا لا يُعادِلُ لحظةَ أنْ تبصِرَهُ بعينيكَ مرةً واحدة.
وإذْ كَبُرْنا فجأةً
وصارتِ الفضّةُ تبيتُ في رؤوسنِا
ونسينا أنَّ لليالي ليلاً جديداً
عندما مرتِ الأيامُ
وتلاشتْ
كعُواءِ كلبٍ على رابيةٍ آخرَ الليلِ
رجِعنا إلى جدّاتِنا والخالاتِ
بذوائبَ
كالرّصاصِ
وقلوبٍ خشبيةٍ
وأصابعَ تسعلُ خطيئةً
لكِننا،
مُصادفةً،
لم نجدْ أحداً
لم
نجد
أحداً
على الإطلاق.
يغيبُ الليلُ ليَضربَكَ ساعةَ لا تشعر.