«الشعر اختراق. وكلّ اختراق مرعب.»
جريدة الصباح- العراق
تاريخ النشر: 2022-11-07مدة القراءة: 3 دقيقةالخوف من الشعر
«الشعر اختراق. وكلّ اختراق مرعب.»

بالقدر الذي نتأمّل فيه حقيقة الشعر يكون تقديرنا لوجوده. كلما توغلنا أكثر في الفراسة الغامضة التي يمنحها الكشف الشعري لحقائق الأشياء من حولنا كلما منحتنا تلك الفراسة نفسها وإمكاناتها اللا محدودة. لذلك يكون الشعر مخيفاً، لأنه أداة كشف لا تُخادع. كشف للذات الشاعرة قبل كل شيء. أن تكتب الشعر بمعنى أن تعرّي نفسك وتفضحها. وفي العادة، أي كشف يرتبط بالخشية والترقب. في الكتابة الأدبيّة، والشعريّة خاصة، ثمة تلازم مثير بين الذات الكاتبة وما تكتبه. الشعر مرآة. كيفما تكون سريرتك يكون شِعْرك. لا يُفلح الشاعر، مهما كان حاذقاً وموهوباً في تلميع صورته وتزويقها أمام القارئ الحصيف، شيء ما خفيّ ومخيف، في آن، يفضح الكاتب ويُدل على هنات طويته ومثالب سريرته. وهذا تفسير ما نسمعه من القراء: الكاتب الفلاني يبدو جيداً، لكنه لم يمسّني،... لم أصدّقه، هذه القصيدة لم تخلّف في داخلي أثراً... إلخ. في كلّ شعرٍ شيءٌ أصيلٌ ومُطّلِع من جوهر كاتبه الخفيّ. الشعر اختراق. وكلّ اختراق مرعب.
والشعر كشف متواصل للوجود، مثلما هو في الوقت ذاته ممارسة للوجود في صورة خلّاقة. كشف يصنعه الشعر بقوة السؤال والتحريض والريبة، وكم تبدو خوافي الأمور مطمئنة وهي مجهولة فإذا اطلعت على أسبابها تبدلت الأحوال واضطرب المآل. والشعر مخيف لأنه سلطة غير مُقيَّدة، نعم قد تكون مروضة في بعض نماذجها الرديئة، لكن صورها الحرّة خطيرة على أي سلطة أخرى، مدنيّة كانت أو دينيّة. والشاعر -إن أدرك جسامة دوره- قادر على خلخلة المستقر من القناعات بقوة الكلمة. لا تزال الأشعار، لا الروايات أو القصص، هي التي تُتلى على شفاه الثوار في التظاهرات. لا يزال الشعار المهتوف في الساحات شعراً أو على شاكلة الشعر. لذا فالشعر مخيف. مثلما سلطة الشاعر ورمزيته مقلقة لرمزية سواه من أصحاب السلطات على اختلافهم.

وبعض شعر المرء قد يصنع مصيره، وينقشُ في لوح قائله مسرته وفجيعته، وفي ذلك ما يُخاف منه ويُحذر. خذ أبيات المتنبي التي أودت به قتيلاً في بادية السماوة، خذ تشبيب قيس الذي أغضب أهل ليلى فمنعوها عنه. ألم يفتك به شعره؟ ودونك قصيدة معاصرة لمحمود البريكان يرسم فيها، بنبوءة بالغة الدهشة، مصيره على يد زائر مجهول يأتي في الظلام (قصيدة الطارق: 1984)، ومعلوم أن الشاعر قضى بحادثة طعن على يد مجهول في ليلة من شباط 2002. كأن الكتابة تحقيق لبرهان سالف ومؤجّل، تأتي القصيدة لتحوله إلى حقائق. كأن وقائع حياة الشاعر وأقداره ذرائع لتكون القصيدة. وأي سبب، أكثر من ذلك، مدعاة للتأمّل والتوجس.
عاش محمود عبد الوهاب، القاص والروائي الرائد، حياته مُحبّاً للشعر وقارئاً جادّاً له. وكان لو شاء الحديث عن قصيدة تأخذه الرهبة وتلمع عيناه بجلال. وعلى رغم براعته الأدبية، وثقافته الشعرية المعتبرة، فقد ظلَّ يتهيب التصريح بأنه شاعر، رغم أنه كتبَ، على نحو مستمر، أشعاراً ظلَّ يطلع عليها بعض خاصته، وقد نشر القليل منها. وكنتُ كلما شاكسته محرّضاً أن يجمع تلك الأشعار في كتاب شعري يجيبني: "آهٍ يا علي. كم أودّ ذلك، لكن الشعر مخيف!".

شاعر وكاتب ومحرر عراقي، حاصل على جائزة اليونسكو للشعر 2012، ومؤسس نادي الشعر في البصرة. صدرت له خمس مجموعات شعرية وموسوعات تحقيق تاريخية لأعمال السياب وبسام حجار. يعمل في هيئة تحرير مجلتي «براءات» و«الأقلام».