«القارئ أمام مسؤولية أخلاقية تفرض عليه محاكمة نفسه بالقدر الذي يُحاكم فيه كتاباً وكاتباً.»
جريدة الصباح -العراق
تاريخ النشر: 2022-04-08مدة القراءة: 3 دقيقةسلطة القارئ
«القارئ أمام مسؤولية أخلاقية تفرض عليه محاكمة نفسه بالقدر الذي يُحاكم فيه كتاباً وكاتباً.»

باتت العلاقة الجدليّة بين النص المكتوب والقارئ تتخذ أبعاداً أكثر تطرفاً في السنوات الأخيرة. لا أحد اليوم ينكر سلطة القارئ الذي صار يتحكّم بقوانين سوق الكِتاب، فيرفع من أسهم كاتب ويحطُ من آخر، بل الأمر تعدى ذلك إلى تقرير مصائر الفنون الكتابية في بورصة الناشرين: الرواية مُبشرة بالفردوس والشعر مطرود إلى جحيمه، القصة تراوح وتكافح، الترجمات تفوز، وهكذا.
لا أقصد بالسلطة تلك التي منحتها للقارئ نظريات التلقي والتأويل حين صار رأس الأولويات باعتباره "مُنتجاً" للتأويل، بل أعني هنا الإطار الاستهلاكي الذي حول الأدب سلعة في سوق يتحكّم فيه المشتري/القارئ. إن حواراً بسيطاً تجريه مع ناشر في أيّ معرض كتاب لن يستمر طويلاً حتى تقفز على لسانه كلمة: "القرّاء يريدون.."، "القارئ لا يسأل عن..". مضى زمن تلعب فيه المؤسسة النشرية دور صناعة القارئ وتنمية أدوات تلقيه، صار ذلك من كلاسيكيات الزمن الجميل. حتّى الدور التي تتلقّى أموالاً من جهات مانحة لن تغامر بلعبة غير مضمونة. القارئ نفسه أحس بهذه الثغرة، ولمسَ غلبة كفّته فراح يمارس "استبداده" وبدلاً من الصحف والمجلات الأدبيّة، والنقاد المختصين، صرنا نقرأُ مراجعات يكتبها قرّاء في صفحات التواصل، أو "ريفيوهات" في قنوات لـ "يوتوبرية" ومروجين تتحكّم في مصير الكتاب.
هؤلاء المروجين يقومون بدور هام وهو تنشيط السوق ورفع المبيعات والتثقيف على القراءة بأدوات عصريّة. وهم مقبولون من جمهور المتلقي بشكل مثير. فلا ضوابط نقدية في كلامهم، ولا معايير صحافية في تقديم موادهم، يلبسون مثل القرّاء ويتحدثون بالدارجة مثلهم، بارعون في استخدام "الترند"، وقريبون من المتلقي بالفكاهة، ومتحررون من سياسات القنوات وتقييدات المسؤول المباشر. كل هذا وغيره جعلهم المصدر الأول لطبقة الشباب في تلقي المعلومة حول ما يفكرون في قراءته، ونعلم أن فئة الشباب تلك هي التي يستهدفها الناشر باعتبارها أثقل الفئات المستهدفة كماً وأكثرها حماسةً للدعاية الثقافية وتلقفها.
يتخذ القاري المروج سلطته من أدوات العصر، الميديا والبرامج والمنصات التي يسوّق من خلالها "بضاعته"، ولا يتورع عن استخدام نهج تمويل المنشورات لإغراق القارئ بالإعلانات التي تُعجّل من وقوع القاري/المشتري في الفخ، كهذا صارت هناك اليوم قنوات يوتيوب "مليونية" تغير المعادلة ويحلم بودها الناشر: في مرة صرّح أحدهم "إن "بوستاً" ينشره المدوّن الفلاني في صفحته أهم عندي من عشرات الدراسات والمراجعات في الصحف والمجلات!". ولكن من يحاسب هؤلاء المدونين؟ من يسأل عن مستوى ثقافتهم ويطالبهم بتطوير أدواتهم والتحلي بالمسؤولية إزاء الدور الذي يلعبوه؟ الكل يطالب المؤلف بكل شيء، ولا أحد يسأل: هل صنّاع المراجعات الأدبية على حق دائماً؟ هذا إذا استثنينا الخوض في الصفقات بين الناشر وصفحات مراجعات الكتب على منصات التواصل، وهي صفقات موجودة وأن جرى التعتيم عليها.
القارئ أمام مسؤولية أخلاقيّة تفرض عليه محاكمة نفسه بالقدر الذي يُحاكم فيه كتاباً وكاتباً ما بمنطق: "هذه أخر فرصة لكما معي!".

شاعر وكاتب ومحرر عراقي، حاصل على جائزة اليونسكو للشعر 2012، ومؤسس نادي الشعر في البصرة. صدرت له خمس مجموعات شعرية وموسوعات تحقيق تاريخية لأعمال السياب وبسام حجار. يعمل في هيئة تحرير مجلتي «براءات» و«الأقلام».