المسافاتُ كفّارةٌ،
كلُّ خطوةٍ تنشُرُها في الدروبِ
كفّارةٌ عن سُؤالٍ أو ندمٍ أو خُذلان.
تمشي فتسّاقطُ منكَ أسماءُ الماضي،
تمشي فتفرُّ من كتفيكَ غربانُ الآتي،
تمشي فتخِفُّ أو تطير.
كلُّ مشّائي التّيهِ قالوا أنّ المسافاتِ كفّارةٌ
مكيدةُ المُبتلى ونَبلةُ المسالمِ،
صَنيعةُ مَن لا شراعَ بيديهِ
فيما العاصفةُ تشتدُّ عافية.
أنْ تنهضَ قبلَ الفجرِ،
قبلَ اشتباكِ مخالبِ النهارِ بشرايينِ المارةِ
نافضاً المتاريسَ التي دوّت في رأسكَ البارحة.
أن تُحضّرَ الشوارعَ لعابريها،
تُهيئَ المصاطبَ لعُشاقِ المساء.
أن يصيرَ الوقتُ فَرَاشاً بينَ أصابِعكَ
ولا يبقى غيرُ رفيفِهِ الهشّ.
ستتعبُ، تجلِسُ بمُنعطفٍ تَرقُبُ العابرين،
تَرَى أنفاسَ مَن مرّوا على الطرقاتِ،
ينساكَ السكارى والمجانينُ والعبّادُ والشّحاذون،
تُفكرُ بأحلام مَن سقطوا تحتَ أقدامِ الريحِ،
تندمُ مرةً مع القاتلِ
وتبكي مرتينِ مع الطريق.
تمشي
وتمشي
لا لشيءٍ
سوى أنْ تكونَ تائهاً ومُنفرداً وحُرّاً.
اليوم الذي يضغطُ على يومكَ، يكادُ ينفد
الشمسُ، حبَّةُ خوخٍ ناعسةٌ لا زالتْ تُحاول
ظِلالُ المارّةِ تذوي
راعشةً
على الأرصفة.
وليسَ لكَ في نهايةِ يومكَ إلّا جلدُ القصةِ
مرآتُها المُضِلّة،
عُشبُها المعكوسُ في وجهِكِ.
لا ترجِع
لا تَمشِ إلى بيتكَ
فالمسافاتُ كفّارة.