قراءة نقدية28 تموز، 2020
«ستّ ملاحظات سريعة عن كتاب باذبين»

أحمد عبد الحسين — شاعر عراقيّ
نُشر في: جريدة الصباح - العراق
«أطلق عليّ الشعر في غير مظانّه ليختبر قدرتنا على الإمساك به.»
ستّ ملاحظات سريعة عن كتاب "باذبين" لـ علي محمود خضير
1
هذا كتابٌ تتسابق فيه الذاكرةُ والخيال مثل فَرَسَيْ رِهانٍ، وإذ تتقدّم الأولى فلكي تكشف لنا عن بقيا حياةٍ عيشتْ ولا دليل عليها إلا تذكّرها وبثّها نتفاً في صفحاتٍ تضمر بمقدار ما تبين؛ هذا لأنّ ما يقدر عليه التذكّرُ بفاعلية كبرى هو كونه حاجباً، بالمعنيين المتضادين اللذين هما الوظيفة المزدوجة للحاجب: المنع والسماح.
وبالجدل الذي يتعاقب على صنعه الخيال والذاكرة، يُصنع جدلٌ شكليّ يتظافر فيه الشعر والسردُ، وإذا خطر لك أن الشعر هو من حصة الخيال وحده، والسرد وقفٌ على الذاكرة وحدها، فإنك بانتظار مفاجأة يعدّها لك "علي محمود خضير" في مطاوي الكتاب، فإنّ المقاطع السردية فيه منقوعة بماء أحلام اليقظة حتى ليبدو أن خضير لم يختر من وقائع طفولته إلا ما يصلح أن يكون حلماً، ومن السرد إلا ما يصلح أن يتشبه بالشعر.
شعر ونثر يتناوبان، مقطع نثريّ يتلوه مقطع شعريّ، بسط لمقتنيات الذاكرة تعقبه إضاءة شعرية بجمل برقية سريعة لما كان قيل نثراً.
2
الكتاب نشيد لتمجيد طفولة في مدينة هامشية، مدينة علي الغربي "باذبين". أعرف الشعراء الذين يمجدون مدن الأقاصي وقراها، وأعرف أن لديهم عادةً فائضَ حريّة في القول، وهم أقدر على الاغتراف من نبعهم الخاص، أكثر بكثير من شعراء المدن الكبيرة، أفكر الآن بجمهرة شعراء كتبوا عن نيويورك مثلاً "سعدي يوسف وأدونيس وسواهما" كيف فرضت عليهم المدينة سلطانها، كما فرض عليهم نصّ لوركا النيويوركي سلطانه، فبدا أن نصّهم عن المدينة المتن مجرد هامش في ذيل نصّ كبير.
لكنّ علياً كان حراً في التقاط مقتنياته الأثيرة من مدينة أحلام يقظته الصغيرة بمقدار حرية السياب وهو يوقظ جيكور من سباتها على الخارطة، ويحفر لبويب مجرى في أرض الشعر من بعده.
3
أمر لافتٌ بالنسبة لي أن تكون كلمة الغلاف الأخير للشاعر عيسى مخلوف. ليس في الأمر مصادفة، لأن بعضاً من أهم كتب مخلوف "عين السراب، رسالة إلى الأختين ومدينة السماء" اشتغلتْ في هذه المنطقة التي عمل عليها عليّ محمود خضير: منطقة الشعر المبثوث في سرد حكايا وأمكنة، حيث يتسابق الخيال والذاكرة كفرسي رهان.
4
لا تنتظر من شعراء البصرة وكتّابها وصفاً لمكان، عيونهم تتطلّع إلى دواخلهم، إلى المكان بعد أن أصبح فيهم، حيّزاً يستوطن أعماقهم. فجيكور لا تمتدّ إلى ما يجاورها من قرى، بل تمتدّ "حتى حدود الخيال"، وبصرياثا محمد خضير هي محمد خضير، وباذبين عليّ طفولته التي "يستعيدها قسراً" كما أوصى بودلير.
5
فرحتُ للفرح الذي تشعر به اللغة في كتاب عليّ، واحتفلت مع عافية الخيال فيه، قرأته وأنا أتنعّم برؤية صديقي الشاعر الذي ينتصر لمدينة صغرى انتصاره لصوته الخاص، ولطريقةٍ في الكتابة أحبها. أطلق عليّ الشعر في غير مظانّه ليختبر قدرتنا على الإمساك به.
6
أنا سعيد!