قراءة نقدية2026
«في «غلباتُ الاشتياق وأحوالُ المشاق»: إناءُ اختبارِ الشاعر ونابٌ في العظم»

دنى غالي — شاعرة وروائية عراقية
نُشر في: جريدة القدس العربي
«وهذا هو مشغله الشعري، الذي يحاول أن يكشف لنا عنه؛ سيرةٌ هادئة لجمع الثمار، بما هي عليه، وحملها إلى إناء اختباره.»
هل نقول إن أهمّ ما في الشعر الحديث نبذ الادعاء؟ اللجوء إلى الداخل والغوص من أجل اكتشاف أسماك، بقايا عجلات، بقايا سفن، محّار مثلوم، وحقائق أخرى شتى، مموّهة تحت رملٍ ناعم؟ نحن هنا لا نعرّف الشِعْر، أو هذا هو الشِعر! ليس غير الاقتراب بالكاد من لحظة التماسّ قلبا وعقلا. الشِعر المتفلّت من كيانه في لحظة، مثل اللحمة الحيّة التي تخرج من رحم المرأة وتُلقى على صدرها. هي اللحظة المُربِكة والمُركَّبة، اللحظة الحقيقية التي تُحدث اضطرابا في العالم برمّته، التي يصعب خلالها ليّ عنق الأشياء باللغة! اللا لغة، غير المحسوس في اضطرابه، الجنوح إلى فضاء أكثر رحابة، لإضاءة طبيعية، إلى سوائل ودمّ وروائح وحليب صمغي، خلقٌ وكلّ ما يُنهِك الحواس، لغةٌ يصعب وصولها لِمن هو خارج لغة الكسر، الخسارات، والبحث في سرّ الوجود!
هذا كان فحوى حواري مع كتاب الشاعر الشابّ علي محمود خضير، المثقَل مبكرا بهموم العالم، الذي يشكو ألماً في فقرات عنقه لشدة انكفائه على الورقة. الورقة البيضاء وحده مَنْ يملي عليها شروط ملئها. يقول؛ ولّى عهد الوصايات، والوصايا.
يتحفّز الروحي فينا، بدءا من الغلاف وعنوانه بزخمه العاطفي «غلبات الاشتياق وأحوال المشاقّ» بالإشارة عبر الرسمة الفارسية لعاشقين، ترسمُ لغةُ جسديهما في ذوبانهما العشقي، فضاءً صوفيا عبر كأس الخمر والساقية. بينما هناك انتقالة تحيد بنا على الدوام عن إشارة العنوان. بالتوغل شيئا فشيئا في جزئي الكتاب: الغلبات ومن ثم الأحوال. تدرك انها تركيبة لا تستدعي الفصل بين الصوفي ولغته المنتقاة، المبتكرة، والمستمّدة من التراث، بإنشاده، بمناجاته البعيدة، بالشوق، بالوجد، والانخطاف بالوجه، الابتسامة، واليدّ والنهر، واليومي بتفاصيله ووقائعه، بالحِسّي بلغة مقتصدة حديثة آسرة، بشكّه وأسئلته العصرية، وبأحدث وسائل تواصله:
«في الليالي الطويلة نعرف:
خفقة جناح الملاك لا تكفي
ابتسامةٌ على شاشةِ هاتفٍ لا تكفي
طالما اليدُ باردة»
وعلي محمود خضير في الكتاب الذي يدفعه لنا هذه المرة لا يبدو آبها كثيرا بغير الوقوف عند حالاته، بتباينها إحساسا وتعبيرا، لزمن طويل متصل، من دون شروط أو محددات. ولا نعلم ما إذا كان ثمة علي آخر، بذكاء، وبوعي لحركته وحسابٍ لخطواته، يهلّل لعثرةٍ هنا في المسار، أو شيء هناك يوحي بندبة، وإن لم يكن، والجمال هنا في النقص المتعمّد حيال الكمال بعينه، وهذا هو مشغله الشِعري، الذي يحاول أن يكشف لنا عنه؛ سيرةٌ هادئة لجمع الثمار، بما هي عليه، وحملها إلى إناء اختباره.
«في صوتي
غرقى يستغيثون
أنتِ فقط من تسمعينهم،
قال العاشق ليتني موجة في شطّ العرب
تشابَهَ حولها الموج فضاعت
ليتني حبة رمل في عين بركان
ليتني لم أكن
أفرطَ بي الانتظار
صارت المحطات قميصي
مقتلي نفسي تنشطرُ تَضاعّف
نفسٌ تبتهلكِ:
اتركي الضفة
وشاركيني الغرق النبيل»
نقترب من مشاقّ الفرد ومحنه الشخصية مكبوبة في إناء اختباره الكبير لكشف قدراته على بثّ لواعجه، أو فحص أزماته (وفق ما تختاره اللغة) وهي له، هو وحدُه مَن يرغب بالإنصات لها، وهو وحدُه مَن يسمعها، ما بين الحضور والغياب، حيث يتكرّس «الالتباس» و»الخطابات السيئة»، ويتكرر «الانتظار»:
«كما لو قلتُ:
كم يصدحُ شَعرُكِ ـ المضمومُ بالحجابِ – بالأغنيات
كم تدفأ يدايَ، بعيدا عني، بفكرة يديك»
الحركة غير المرئية والصوت غير المسموع في التأرجح بين الممكن والمستحيل. صورة الجرح الأبدي بألمه العميق، ومصيرية تلك الناب المعقوفة الناشبة في عظمه إلى الأبد. لا احتمالها ولا رفعها ممكن. لكن الأبدي ينطوي على تحوّل مستمر، وإن بدا الموقف مغلقا، وإن كان لا شيء هناك غير الصمت الأوركسترالي الجارح، والكلام لديه محض تذكار للصمت، كما يقول:
«بعيدا في خُرجِ أحد الرعاة، خبّأتُ نبوءتي
على أحدِنا النجاة
فاتبعني إلى النابِ المعقوفةِ في عظامي
اتبعني إلى الموسيقى الحافية»
عطوف، شاكٍ، عابرٌ غريب يحتفي بمجد العاشق وإشراقه. يقال أن لا شيء خاصّ في الحبّ، إنه شيء أكثر من عادي، بل وتافه، ويقال ويقال، نسخةٌ نعرفها جميعا، حالات مكرّرة مملولة من الأعراض التي نمرّ بها، والاعترافات التي نُدلي بها. لكن السؤال مَنْ يملك الجرأة ويتوسل التعرّي، غير الكائن الذي يؤمن أنه، رغم كونه الرقم القصي، فهو لا يشبه آخر في الكون. متفرّدٌ بحالاته، طالما هناك ذلك التحوّل:
«يدُكِ ماهرة بتحويل التخيّل إلى حقيقة، فامسحي على أمانينا الذابلة ليتها، اطلقي صوتَكِ على أرباب الحروب ليتهم، سرّحي شَعر الفجائع ليتها، عمّقي كلماتكِ في صدورنا، اطلقي سحركِ، اطلقيه… كما فعلتِ مع قمصاني التي صارت حديقة ـ وصدري الذي تَصيّرَ غيمة يومَ كنا. أنا من كنتُ قبلكِ هَمْلا كساعةٍ عاطلةٍ في جارور العلية».
*لعلي محمود خضير أربعة كتب في الشعر سبقت «غلبات الاشتياق وأحوال المشاق» الصدار عن دار تكوين: «الحالم يستيقظ» (2010)، «الحياة بالنيابة» (2013)، «سليل الغيمة» (2015)، «باذبين» (2020). فضلا عن تحرير الأعمال الكاملة لبدر شاكر السياب (2019)، وبسام حجار (2018).