الليلُ الضاغطُ على البيوتِ والحاراتِ
يُوشِكُ أنْ يُطبقَ على الأنفاس.
الليلُ هذه الليلةَ
يُغلِقُ مساماتِ الهواءِ على الهواء.
يَسُدُّ الوقتَ أنْ يمضي.
يَسُدُّ بابَ الزمَن.
كُلّمَا صِحتُ بنفسي:
أدركتُ أنَّ سُلطانيَ كاذبٌ،
وأنَّ النفسَ لا تَسمعُ إلّا نفسَها.
من أنا في هذا الليلِ أيّتُها النفسُ الجاحدةُ؟
أينَ أملاكيَ من الكلامِ الرهيفِ
الذي وزّعتُهُ على الآخرينَ
فما أعطَوني إلّا صمْتَهم؟
أينَ صُراخيَ في مراياهُم التي أُعلِّقُها على الجُدرانِ؟
إنني الآنَ أُقيمُ في ساقيةٍ واحدةٍ
يمُرُّ فيها أشباحُ من مَرُّوا على حياتي فأفسَدُوها
لا أُريدُ منهم سِوى أنْ يتركوني.
لا الحياةُ صديقتي
وهي ليستْ بصَديقةٍ لهم بالضرورة.
أعرِفُ هذا وأحفَظُهُ عن ألم.
أقولُ لهم اتركوني لكنّي لا أقول،
إنني أهذي مع نفسِي ومرآتِها،
حسبيَ أنّ المرآةَ تُفضي إلى نافذةٍ
حسبيَ أنني أجلسُ في ساقيتي وحيداً
أنوءُ بثقلي
وإنّي لا أكلِّفُ أحداً شيئاً
وإنّي لو فَررْتُ إلى موتي سأكونُ مُطمئِناً وهادئاً.
حسبيَ أنّي لا أكلّمُ أحداً
فأثقلُ عليه.
شاردٌ في لحظتي،
مُستغرقُ الذِكرى بمن مرّوا،
مُستغرقٌ بالنسيان.
إنني هُنا خفيفٌ إلّا من رُوحي.
من أنا في هذه اللحظةِ الواحدةِ
التي تكررُ نفسَها آلآفَ المرات؟
كيفَ اجتمعتُ بكُلِّ أشياءِ بيتي هذه: الكراسي والشراشفِ وشقوقِ الحيطانِ وأسلاكِ الكهرباءِ ولوحةِ دالي المُزيّفةِ والطابعةِ الليزريّة والمِدفأة؟
كيفَ اجتمعتُ بالشارع الذي يضيقُ على ناسهِ
كلَّما قَبَضَ الوقتُ بياقةِ النشوة؟
كيفَ اشتَمَلَ عليَّ هؤلاء
ومن أينَ جاؤوا وتجمّعوا حولي؟
إنني لا أريدُ أحداً
في لحظتي الخاصةِ هذه،
أريدُ جسدي ورُوحي
سالمينِ
من شظيّة الماضي.
أجلِسُ في الساقيةِ
أقلِّبُ جمراتِ الموتى الذينَ ذهبوا،
أستعيدُ صوراً التقطتُها لهم
يبدون فيها راضينَ ومُبتسمينَ على الدوام،
أُعدِّدُ ثقوبَ قلبي التي صنعوها لحظةَ رحيلِهم،
أقولُ لنفسي:
لن نكلّفَ الآخرينَ ثقباً واحداً أيّتُها النفس،
لكنّ النفسَ لا تَسْمعُ إلّا نفسَها.
أُقلّبُ بيدي جمراتِ الأحياءِ الذينَ يبدون كأنّهم أحياءُ
وقريبونَ
كأنّكَ تَلْمسُهُم إنْ شِئتَ،
لكنّنا نتجَاهلُ بعضنَا،
نذهبُ بعيداً عن بعضِنا،
نتيهُ بألعابِ الحياةِ الصغيرة،
ننسى،
ننامُ،
فإنْ تقابَلْنا فكلامُنا الأذى وأفعالُنا الألمُ
وإلّا فنحنُ نسّاؤونَ ونِيام،
أقلّبُ جمراتِ الأحياءِ والموتى وأقولُ لنفسي:
هذا مقعدُكِ من الناس
فاشْتَملي على الصمت
واترُكِي البابَ مُوارِباً
واترُكِي الشبابيكَ مفتوحةً للندم.
أعرِفُ أنَّ سُلطانيَ كاذبٌ
وأنَّ النفسَ لا تسمعُ إلّا نفسَها
وأنَّ كلاميَ الرهيفَ
قد يَنساهُ من مرُّوا على حياتي فأفسَدُوها
لكنّي لا أُريدُ منهم
في هذهِ اللحظَةِ
التي تُكرِرُ نفسَها الآفَ المراتِ
سوى أنْ يتركوني.