فيما نقضِمُ الليلَ كتفاحةٍ خضراءَ. هل أُحدّثُكَ عن الأمِّ؟ عن الضوءِ الخفيضِ في زاويةِ قلبي المثقوبِ كالينابيعِ. عن الليالي التي قضيتُها هُناكَ، فارشاً أحشاءَها كمَا أشاءُ؟
لكنِي لا أذكرُ شيئاً، من الصعبِ التذكّرُ على أيةِ حالٍ، صَعْبٌ أن أعرِفَ كم مَرَّةٍ ضَرَبْتُ كُلْيتها اليُسرى وخَضْخَضْتُ حصَاتَها الصغيرةَ. كم مرّةٍ ضايقْتُ رئتيهَا فاستيقظتْ كعمُودٍ روماني تَحرِسُ ظلامي. لا أعرِفُ إن كانتِ الأحراشُ التي تدفأتُها طيّبةً وهادئةً أم خانقةً وملّحةً. لا أعرِفُ غيرَ أني انتظرتُ في سَديمِها تسعةَ أشهرٍ لأنزِلَ في يومِ عيدٍ، في صالةٍ عاديّةٍ إلّا من ألمها، إلّا من صراخيَ الذي شقَّ قُروحاً في سقفِ الصالةِ، إلّا من بكاءٍ لا أذكُرُ سببهُ أيضاً.
ربما لأنَّ الضوءَ كانَ أكثرَ مما توقّعتُ
ربما لانَّ الهواءَ كانَ أكثرَ مما تنفّستُ
ربما لأني لم أشأْ أنْ أُولدَ
حزناً ما كانَ يجعلُ هذا الصُّراخَ منطقياً.
هذا ما قالوا،
أنا لا أتذكّرُ شيئاً الآن.
الأُمُّ تُشرِقُ عليها شمسٌ جديدة اليومَ، الأُمُّ تنشَطرُ اثنينِ فيضيعُ مكانُ قَلْبِها، الأُمُّ يُرطِّبُ الحليبُ قُمْصانَها البيضَ، تَرجِفُ الآنَ، تَرتبِكُ، تُدرِّبُ يديّها أنْ تَصيرَ مهداً، تجَهدُ ليكونَ عفوياً كعينِيها.
ترتّبُ الليلَ الأوّلَ من حَولي، تَنشُّ الذبابَ والضوءَ الساطعَ، تَضعُ قُرآنَها تحتَ الفراشِ لِئَلا تأتي شياطيني باكراً. تتدبّرُ فوانيسَ أيامي اللاحقةِ، تتدبّرُ الساعاتِ الأولى، اللمسةَ الأولى، القبلةَ، الرائحةَ.
تُدبّرُني،
تصيرُني.
أفكّرُ في تلكَ الأُمِّ الآنَ،
في الأخاديدِ التي حفرتْها التقاويمُ بيدِ الغفلةِ، في الجسدِ المتهالكِ والوقفةِ الواهنةِ، في الندوب الصغيرةِ بزيتِ مطبخِها الفائرِ، في السكاكينِ التي توسّدتْ راحتيها أكثر مما توسّدتْها يداي، في القدورِ التي سُخّمت، في الأقدار التي سَخمت.
سَجّادةِ الصلاةِ، عُطورِها، بخورِ المساءاتِ، مرآتِها المكسورةِ، رِعدَاتِ خوفِها وغيرتِها، سُقمِها ومَعناهُ، لُغَتِها التي كانت،
أفكّرُ في قاموسِ الأيامِ،
فيما عرفتهُ سابقاً وما لم أعرِفْهُ.
الليلُ نصفُ تفاحةٍ خضراءَ مهدورةٍ للفجرِ، الليلُ يلتبِسُ عليَّ الآنَ. يَصيرُ نهاراً أو سَديمَ وقتٍ، أُفكّرُ في كُلِّ الأمهاتِ، سريعاتِ المرورِ ومُعَمِّرات الظِّلِّ، من تَملكْنَ أطفالَهنَّ ومن يَشتَري أمومتَهنَّ العابرونَ.
أنتَ أيضاً في داخلِكَ أمٌّ كالتي تَخفقُ في داخلي، في قلبِ كُلٍّ منا أمٌّ كاملةٌ يا صاحبي، أمٌّ نُفرّطُ فيها لنكونَ بيادقَ حروبٍ، فابحثْ عن أمِّكَ فيكَ،
في ظلام روحِكَ الخاسرة.
ماذا بعد؟ يقولُ صاحبي.
-لم تَعرفْ بشأنِ دفاتري التي رسمْتُ فيها أمَّهاتٍ كثيراتٍ: من أحببتُ، ومن فشلتُ في ذلكَ، فتجاهلتُ الأمرَ.
رسمتُهنَّ يصنعنَ الصباح بأصابعِ عازفِ العودِ.
رسمتُهنَّ يصبغنَ رأسيَ بالأبدِ
رسمتُهنَّ لا يبصِقْنَ
رسمتُهنَّ من دونِ سكاكينِ نارٍ لأنّنا نبولُ بغيرِ إرادتِنا
رسمتُهنُّ لا يُمَزقنَ كتابَ القراءةِ دونَ سببٍ
رسمتُهنَّ من دونِ حبالٍ
ومن غيرِ أعمدةٍ خشبيةٍ تصلُحُ للحبسِ.
كنتُ رسّاماً جيّداً
وكانتِ
الريحُ
عمياء.
يقولُ صاحبي:
لا معنى لهذا الآن. جائعٌ أنا، فهاتِ ما في ثَلاجتِكَ.
_ ليس سِوى تفاحةٍ خضراء.